تكد تهدأ هذه الأيام حمى الشائعات ، والتسريبات ، والتصريحات المتضاربة ـ والتي لا حديث لها سوى الخوض في السيناريوهات التي ستنتهي بها الأزمة الحالية بين الرئيس والعسكرـ إلا لتعود أشد من الأول ، فكما يبدو أن إذكاء جذوة نار الصراع ، أصبح مطلبا أساسيا لطرفي النزاع ، فقد أخذ التصعيد مكان الحنكة والحكمة ، وانقلبت الصداقة والولاء ، إلى خصومة وعداء ، وأخذت مصطلحات الحجب والإسقاط والإقالة والحل ، مكانتها الجديدة في قاموس الصراع على النفوذ والسلطة في موريتانيا، وبدأت شحنتها الدلالية تكتسب قوة منقطعة النظير ، بفعل الواقع السياسي المتأزم ، ووجد الشعب في ذلك كله ، متنفسا له ، من واقعه المزري ،عله ينشغل عن هموم الغلاء وتدني المعيشة وارتفاع نسب الفقر، وظهور نذر المجاعة ، فأنشغل بهموم السلطان وشئون الإمارة ، وتزايد نفوذ قواد الجيش ، وتذمر جماعة الحل والعقد من خطبة السلطان الأخيرة.
فبدأت تنتشر تخرصات المنجمين ، وتحليلات السياسيين ، وتسريبات أطراف الصراع ، انتشار النار في الهشيم ، لتتشكل منها موجة من الأنباء المتضاربة تشل عقل المرء ليجد نفسه عاجزا عن قراءة الواقع قراءة عقلانية ، أو فهم الأزمة فهما عميقا وواقعيا.
وفي غياب فهم دقيق لعمق الأزمة ، و عجز الطبقة المثقفة والسياسية عن إدراك مآل الواقع المتأزم بين السلطان وجنده ، وبإصرار من جماعة الحل والعقد على الضغط على القصر بغية عزل السلطان ، وتولية حليف جديد للجند ، بدأت كل الأطراف السياسية في إطلاق العنان لمنجميها ، بغية التأثير على عقول العامة ، واستمالة عواطفهم .
فعمد أنصار الجيش إلى التلويح بقلب ميزان القوى ، والتذكير بأن القوة والشكيمة والغلبة لن تكون إلا لراكبي الدبابات ، ومخططي الانقلابات ، أصحاب الشارات والنياشين والعلامات ، من إذا دخلوا قرية أو سياسة أفسدوها ، وجعلوا أعزة أهلها أذلة ، ومن إذا دخلوا قصرا أهلكوا الحرث والنسل ، وأثاروا فيه الفساد.
وعمد أنصار الرئيس إلى التلويح بحل جماعة الحل والعقد ، وإصدار فرمانات بعزل قواد الجيش ، وتعيين بدل عنهم ، يكونوا أكثر ولاء للسلطان ، وغيرة على وحدة الإمارة ، وأكثر حرصا على بقاء السلطان ، الآمر الناهي ، وصاحب الكلمة الفصل ، ومن بيده الأمر ، وصاحب البيعة والولاء.
ولعل آخر وأغرب الأنباء ، تلك التي تحدثت عن أن الرئيس قد حرر فعلا مرسوما يعزل بموجبه خصومه من الجنرالات ، ويحل فيه البرلمان ، لكن الوقت لما يحن بعد لإخراج ذلك المرسوم من درج مكتبه ، وفي المقابل تتحدث بعض الأنباء عن أن العسكر كانوا قد اشترطوا على الرئيس إبان توليته مقاليد السلطة أو لنقل دعمه في الوصول إلى الحكم ، أن يسجل لهم خطابا يعلن فيه استقالته ، حتى إذا ما أرادوا استبداله وفق سيناريو مرسوم على نحو ما حدث ، يقوموا ببث الخطاب على الملأ ، وأن مسألة بث ذلك الخطاب ليست سوى مسالة وقت.
وفي ظل هذه التصريحات والتسريبات المتبادلة ، حضرت جلسة لجمع من عرافي الأطراف المتنازعة ، وكان سوء الحظ والطالع قد ألقى بي في عمق تلك الجلسة ، ودون أن أعرف أني بصدد حضور مؤتمر لعرافي السياسة في موريتانيا ، وجدت نفسي منصتا ومتابعا للحديث ، وما هي إلا لحظات حتى قام عراف من آل عادل يكتم تنجيمه، فقال : جاءني رني من الجن ، فنفث في روعي أن الرئيس بعد أن يعود من فرنسا سيعود بخطاب تصعيدي وسيحل البرلمان ، ويقيل الجنرالات ، ويستعيد قبضة الأمور، وأن الروم والفرنجة هم من أوعزوا له بذلك ، مقابل الرضوخ لمطلب الرئيس الفرنسي ساركوزي بدعم المشروع "الأورو متوسطي" ، الذي ليس سوى شكل جديد من الاستعمار .
فأجابه عراف آخر من آل عسكر ، قائلا ليس الأمر كذلك فقد جاءني هاتف البارحة فسمعته يقول : العسكر العسكر ، لا حكم إلا للعسكر ، لا بقاء لمن ينازعهم الأمر ، وهل تعلم أن النفي في باريس خير منه النفي في قطر ، وهل نسى العسكر الانقلاب ونسى الرئيس حقيقة الأمر، ثم استطرد العراف قائلا : أعتقد أن ورقة "الجكير" دائما في يد العسكر ، وأن التخطيط للانقلاب ما زال الهواية المفضلة عندهم .
فقام عراف ثالث من بني المعارضة ، فرغى وأزبد ، ووعد وأوعد ، وقال إن الرئيس هو الظالم ، وأن عليه أن يدع الأمر لغيره ، وزعم أنه رأى في منامه الرئيس يستقيل ، والعسكر يبحثون عن خلف له ، فطلبوا من رئيس المجلس العسكري العودة للبلاد وشغل منصب الرئيس ، لكنه رد عليهم أن ساعة من العمل في المنظمات الدولية أحب إليه من رئاسة موريتانيا عشرين سنة ، فعرضوا الأمر على زعيم المعارضة ، فرفض ، واحتج بأنه لن يكون تابعا للعسكر ، ثم استطرد : والذي أعتقد أن الأمر سيئول إلى رجل ليس ببعيد عهد عن العسكر، ولا ببعيد عهد عن الحكم ، لكنه لما يعد بعد إلى موريتانيا .
فقام آخر وقال بتشنج وغضب : ليست حجة حجب الثقة عن الحكومة السالفة ، وربما اللاحقة بسبب رموز الفساد ، ولا لأن بعض النواب يرغبون في نصيب أكبر من كعكة الحقائب الوزارية ، بل الأمر أعقد من ذلك ، فهو لا يعدو كونه مسرحية رديئة الإخراج وسيئة السيناريو، يراد من ورائها ، إخراج الإسلاميين واليساريين من اللعبة السياسية ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، يتم تصوير الرئيس على أنه بدأ يستعيد سلطاته ، وأنه لم يعد يعبأ بأوامر الجيش ، في حين أن العلاقة بين الرئيس وبين العسكر سمن على عسل ، ولا تصدقوا كل هذه الزوبعة ، وسترون بعد عودة الرئيس من فرنسا أن الحكومة ستشكل دون إسلاميي جميل ويساريي ولد مولود ، وأنه بعد ذلك مباشرة سيعلن عن حل الأزمة نهائيا ورجوع الأمور إلى ما كانت عليه .
ودون أن أنتظر اختتام مؤتمر العرافين الموريتانيين ، أخذت نعلي وغادرت الجلسة ، وأنا أكرر : كذب المنجمون ولو صدقوا.
وأيا كان الصح والخطأ من كل هذه التنبؤات والتخرصات والرجم بالغيب ، فإن الواقع السياسي الراهن بكل تعقيداته ، وفي ظل وجود سماء مغيمة بضباب التصريحات والتلميحات والتهديدات ، لا يجد المرء بدا من أن يستمع لأقوال العرافين والمنجمين ، فهي على الأقل أكثر وضوحا وأبسط معنى وأشد بيانا ، من واقعنا السياسي الذي اختلط الحابل فيه بالنابل ، وامتلأ بالمتناقضات ، ولم يعد يعرف كوعه من بوعه ، فلا القصر الرئاسي قصرا رئاسيا ، ولا قيادة الأركان قيادة أركان ، ولا البرلمان برلمانا ، وهلم جرا ، فقد اختلطت السلطات ، وبدأت معمعة الصراع على النفوذ ، تمد أرجل أخطبوطها ، لتتجسد في كل مؤسسات الدولة ، لذلك فإني أعتقد أن الصورة بدأت تتضح ، وبدأت معالم الأزمة الراهنة تكشف عن خفايا لم يكن أحد ليتصورها ، ومن تلك المعالم وجود صراع قبلي لا يخفى تأثيره على المشهد السياسي الراهن ، وصراع إقتصادي بين المتنفذين والباحثين عن النفوذ ، وفي كلا الصراعين كان البرلمانيون ، والعسكر الأداة المنفذة ، وكان القصر وبلاطه الحلقة الأضعف في هذا الصراع ، لذلك لن يكون غريبا أن تتهاوى تلك الحلقة بين شد البرلمانيين والعسكر ، وتختفي من سلسلة المعادلة السلطوية ، لتستبدل بحلقة تكون لها القوة على مقاومة التجاذبات والصراعات المتزايدة بين مختلف الكتل المتنفذة.
أوفى ولد عبد الله ولد أوفى
awvaabdl@yahoo.fr
كذب المنجمون ولو صدقوا
وداعا على أمل لقاءٍ أجمل… ترقبونا اليوم بحلّة جديدة
22 فبراير 2026
دحان بيده يشارك في تكوين للفيفا استعدادًا لكأس العالم 2026
22 فبراير 2026
25 نوفمبر 2007
لماذا لا نستجيب لدعوة ولد الشيخ عبد الله
23 نوفمبر 2007
الحزبية في موريتانيا
25 نوفمبر 2007
الشعر يذبح على نصب الـ"sms "
25 نوفمبر 2007
انواكشوط عاصمة أشباح أم أشباح عاصمة ؟