منهج الحكم الإسلامي بين تحديات العصر و معيقات الإفتاء

بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على نبيه الكريم

لقد عشنا تضاربا شديدا في الإفتاء و الفتوى عقب التغيير العنيف الذي أطاح بالدكتور مرسي ، أول رئيس مدني لبلاد كنانة ، مصر الشقيقة . و قد تمخض عن ذلك مشهد سيايسي جد معقد بحيث أربك المتصدرين للفتوى ، المهتمين بالشأن المصري . و كان أول هؤلاء د / أحمد الطيب، شيخ جامع الأزهر حيث انطلق في أول بيان له من قاعدة " درء المفاسد مقدم على جلب المصالح " و قاعدة " ارتكاب أخف الضررين".

كما صدر بذلك بيانه المؤيد للتغيير الذي كان جناحه العسكري اللواء السيسي، ثم تلاه تصريح من مرشد الإخوان المسلمين محمد بديع حيث قال " الإنقلاب باطل ، و بيان شيخ الأزهر باطل ، الح .. " ثم تلا ذلك تصريح من د / الشيخ يوسف القرضاوي في الجزيرة حيث استشهد بحديث خلط فيه حديث عرفجة بحديث ابن عمرو . ثم تلا ذلك فتاوى ممن وصفهم الشيخ القرضاوي بالهواة حيث أكدوا فيها بأن المناهضين لما يسميه الإخوان المسلمون بالإنقلاب الخارجين عليه ، المطالبين بالشرعية ، أنهم من الخوارج ، فأحلوا سفك دمائهم .

فرد عليهم د / يوسف القرضاوي ردا شديدا عنيفا صرح فيه أن الخارج الحقيقي على الشرعية و على السلطة هو السيسي و أعوانه في برنامج " الشريعة و الحياة " من قناة الجزيرة . فجاء هذا المثال ليؤكد ما بدأنا به هذا الفصل . و لما كان كل طرف متمسكا بجزء من الحقيقة ، أردنا أن نبدأ بهذه الحالة بحثنا هذا لنعطي لكتابنا نكهة خاصة تشد الباحث و تدفع به إلى البحث عن الحقيقة الشرعية و أدلتها .

و للتشويق ، نقول بأنه قد ورد في المسألة حديثان صحيحان صريحان أشار إليهما الشيخ القرضاوي في أول الأمر بصيغة ما يسميه أهل صنعة الحديث" تداخل حديث في حديث " ، و هذان الحديثان هما : 1 / الحديث الأول : عن عرفجة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " ستكون هنات و هنات ـ و رفع صوته ـ ألا و من خرج على أمتي و هم جميع ، فاضربوا عنقه بالسيف كائنا من كان " أخرجه مسلم في باب : حكم من فرق أمر المسلمين من كتاب الإمارة ، و أبو داود في السنن باب قتل الخوارج ، و أحمد في المسند .

2 / الحديث الثاني : عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في سفر ، فنزلنا منزلا ، فمنا من يصلح خباءه ، و منا من ينتضل ، و منا من هو في جشره ، إذ نادى منادي رسول الله صلى الله عليه و سلم : الصلاة جامعة ، فاجتمعنا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فقال : " إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم ، و ينذرهم شر ما يعلمه لهم ، و إن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها ، و سيصيب آخرها بلاء و أمور تنكرونها ، و تجيئ فتن يرقق بعضها بعضا ، و تجيئ الفتنة فيقول المؤمن هذه مهلكتي ، ثم تنكشف ، و تجيئ الفتنة ، فيقول المؤمن : هذه ، هذه ، فمن أحب أن يزحزح عن النار ، و يدخل الجنة ، فلتأته منيته و هو يؤمن بالله و اليوم الآخر ، و ليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه ، و من بايع إماما فأعطاه صفقة يده ، و ثمرة قلبه ، فليطعه إن استطاع ، فإن جاء آخر ينازعه ، فاضربوا عنق الآخر " رواه مسلم في باب : وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء من كتاب الإمارة ، و أبو داود في باب : ذكر الفتن من كتاب الفتن ، و النسائي في باب : ما على من بايع الإمام ، من كتاب البيعة ، و ابن ماجه في باب : ما يكون من الفتن ، من كتاب الفتن و أحمد
و قبل الخوض في هذه الأقوال لإظهار مكانتها من الصواب الشرعي الفقهي، نرى من الضروري تقديم المشهد المصري و لو في عجالة ، لأن الحكم على الشيء جزء تصوره ، فنقول و بالله التوفيق :

لقد انطلقت فئات كثيرة من جميع الأطياف و الفئات و الأعمار من الشعب المصري يوم 25 يناير 2011 م تطالب بالإصلاح قبيل مطالبتها برحيل نظام محمد حسني مبارك ، و إنه من الغباء أن يظن ظان أنه ما كان لمحمد حسني مبارك أن يتخلى عن السلطة إلا إثر ضغط من الجيش المصري ، فالذي حمل حسني مبارك عن تخليه عن السلطة هو و عمرو سليمان هو الجيش المصري برئاسة المشير الطنطاوي وزير الدفاع و قائد الأركان العامة ، و لذلك تولى رئاسة المرحلة الانتقالية ، و لولاه لما وصل الإسلاميون إلى سدة السلطة بالرغم من شعبيتهم ، و قد قاد ما يسمى بفلول النظام حملات تذمر ضد المشير الطنطاوي بسبب نهجه العادل . و بعد نجاح التيارات الإسلامية الكاسح في الإنتخابات البلدية و التشريعية كان ينبغي لهذه التيارات التريث لما تطلبه الدربة و الارتياض في تسيير شؤون الدولة . فلو قدموا أقل التيارات العلمانية خبثا و استعطفوه ليهيئ لهم الظروف بالقيام بإصلاحات على مستوى جهاز الأمن و الجيش و جهاز القضاء حيث ظلت هذه الأجهزة تكن العداء للإسلاميين منذ حوالي ثمانية عقود لكان ذلك أنجع و أقرب للحكمة و قد نصحهم بذلك إخوانهم في تونس لكنهم لم ينتبهوا و أصروا على الوصول إلى سدة السلطة و رئاسة دولة عرفت بضبابية أجهزتها الأمنية و كراهيتها للإخوان ، و قد سلم لهم المشير الطنطاوي سدة السلطة على مائدة من ورود المحبة بعد نجاحهم في الشوط الثاني ، فكانت هذه يد له عليهم لكنهم لم يعوا ثمن هذه اليد بيد أنه كان من الحكمة أن يتمثلوا بقول السابق :

سأشكر عمرا ما تراخت منيتي ** أيادي لم تمنن و إن هي زلت

بل سارع د / مرسي إلى حل المجلس العسكري و أحال المشير الطنطاوي إلى التقاعد في نشوة من الاعتزاز بالذات و بالصلاحيات ، و لم يدرك أنه بهذا القرار الشجاع التاريخي حكم على نفسه بالفشل المحتوم و على حكمه بالزوال المسموم ، بل و لم يع أن تعيينه للسيسي كان حفرا لقبر نظام مرسي ، فلم يبحث عن تاريخ و أصول المشير المحال إلى التقاعد و لا عن اللواء الذي سلم له سلطة الجيش ، كما أن مرسي لم يعط قيمة لنجاحه في الشوط الثاني بسبب تكتلات ليبرالية فضلته على فلول نظام مبارك و كانوا يمثلون حوالي ثلثي الكتلة التي انتخبته ، فكانت هذه أياد أخرى تقدمت بها أيد كانت تحتاج للمكافأة إلا أننا لاحظنا نهجا جديدا حاول أن ينفرد بريادة التسيير بحيث لم يقدم للمتحالفين معه في الشوط الثاني سوى قشور نظامه و حينئذ بدأ التيار الجارف يحفر قبر نظام مرسي ، و بدأ التيار المعاكس يسمم الوضع بشيطنة الإخوان و ادعاء أخونة الدولة المصرية . و قد استعمل جميع الوسائل المتاحة الهادفة إلى عزل نظام الإخوان في الداخل و الخارج و جعله ينحصر في خانة أو زاوية ضيقة بعد تحرير الدستور الجديد و خاصة بعد الإعلان الدستوري و تحسين العلاقات مع النظام الصفوي الفارسي ، عندئذ بدأت دول الخليج و كذلك دول الغرب تراقب هيمنة الإخوان على كل شيء سوى أجهزة الأمن و الجيش و القضاء علما بأنها أساس كل شيء في السلطة . و بدأ التيار المعاكس المتآمر مع هذه الأجهزة و مع الغرب يشن حملات الكراهية ضد الإخوان و الأخونة و شيطنة الجميع . فلم يستطع الإخوان الصمود أمام هذه الجبهات سوى عدة أشهر حيث قام فلول نظام مبارك الذين يمثلون أصلا حوالي 48 % بالتحالف مع أعدائهم بالأمس من الليبراليين بحملات استخدمتها أجهزة الأمن و الجيش و القضاء للإطاحة بمرسي مدعية أن الجيش انطلق من نفس المنطق الذي أطاح باللواء الطيار محمد حسني مبارك . بينما ظل الإخوان و حلفاؤهم متمسكين بالاستحقاقات الأربعة التي نجحوا فيها لكن الخصم يعتبر ذلك بكاء على الأطلال .

فكان لكل طرف فقهاؤه ، و من أهم فقهاء الحاكم الجديد المتنفذ المتسلط د / أحمد الطيب ، شيخ الأزهر ثم عناصر أخرى دونه في العلم ادعت بأن الجماعة التي لم تذعن لحكم الحاكم المتغلب الجديد من الخوارج يفعل بها ما يفعل بالبغاة الخوارج ، و من هؤلاء : الشيخ علي جمعة المفتي الأسبق، و عمرو خالد ، و د / سالم عبد الجليل الذي تبرأ من تنزيل الفتيا في المعتصمين برابعة و النهضة ، بينما نجد من المدافعين عن نظام مرسي د / يوسف القرضاوي رئيس رابطة علماء المسلمين ، و هي رابطة مستقلة عن الأنظمة مقربة من الإخوان المسلمين ، و قد تطرقت كتب الفقه للطاعة لولي الأمر ، و لما كنا قد تطرقنا لهذه الطاعة في كتابنا " الإشعاع و الإقناع بمسائل الإجماع " ، و في كتابنا " فتح الرب الساتر لتمييز الحديث المتواتر " و في كتابنا " موقف الشرع القويم المتين من ظاهرة تكفير حكام المسلمين و الربيع العربي الرزين " و في كتابنا " العقيدة الصحيحة من حديث : الدين النصيحة " فإننا سنكتفي بتقديم زبدة ما تناولناه في هذه الكتب على ما سمعناه أو قرأناه ، فنقول : نقل ابن القطان الفاسي عن الرسالة ، قال : " و أجمعوا أن السمع و الطاعة واجبة لأئمة المسلمين ، و أجمعوا على من ولي شيئا من أمورهم عن رضى أو غلبة و اشتدت وطأته من بر و فاجر لا يلزمهم الخروج عليهم بالسيف جاروا أو عدلوا " و نقل عن الوصول قال : " و أجمع المسلمون من أهل السنة على أن من ولي من أمور المسلمين على رضى منهم أو غلبة فاشتدت وطأته كان عدلا أو فاجرا لا يلزمهم الخروج عليهم " و قد أصلنا هذه الإجماعات قائلين :

قال تعالى { و أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله و الرسول إن كنتم تؤمنون بالله } و من الحديث : فأقول إن الصحابة رضوان الله عليهم أفضل منا بكثير، وكذلك التابعين وتابعي التابعين، نسأل الله أن يحشرنا مع النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، وهم يقينا من هؤلاء أو أكثر حظا من أن يكونوا من هؤلاء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» وفي رواية «خير القرون قرني الذي بعثت فيه ثم الذين يلونه، ثم الذين يلونه» الحديث متواتر، وقد بينت في كتابي "الاشعاع والاقناع بمسائل الإجماع" ما جاء من الإجماع في ذلك، ومنه: نقل الحافظ ابن القطان الفاسي عن نوادر الإجماع أنه قال: «أجمعوا أن السمع والطاعة واجبة لأئمة المسلمين وأجمعوا على أن كل من ولي شيئا من أمورهم عن رضى أوغلبة واشتدت وطأته من بر وفاجر لا يلزمهم الخروج عليهم بالسيف جاروا أو عدلوا، وأجمعوا على أن يجيرهم العدو ويحج معهم البيت وتدفع إليهم الصدقات إذا طلبوها وتصلى معهم الجمع والأعياد» ونقل ابن القطان القاسي أيضا عن الوصول: «وأجمع المسلمون من أهل السنة على أن من ولي أمور المؤمنين على رضى منهم أو غلبة فاشتدت وطأته كان عدلا أو فاجرا لا يلزمهم الخروج عليه».

المقال السابق
أزمة بنزين خانقة بالحوض الغربي
المقال التالي
رئيس حركة افلام يصل نواكشوط بعد23سنة من المنفى